الركائز غير المعلنة للاستراتيجية
- سبتمبر 7, 2026
- Posted by: Clarion
- Category: مقالات
كل استراتيجية تقوم على مجموعة من الافتراضات عن البيئة الخارجية: عن السوق، المنافسين، التكلفة، سلوك العميل، و عن البيئة التنظيمية. و هذه الافتراضات تدخل في صياغة الاستراتيجية دون أن توثق بوصفها افتراضات، لتصبح إحدى الركائز التي يبنى عليها القرار فتبقى في الخلفية و لا تراجع.
و الافتراضات في الواقع هي أكثر عناصر الاستراتيجية تأثيراً، لأن كل الأهداف و الخطط و المؤشرات مبنية عليها. فإن اختل أحد هذه الافتراضات، سيختل كل ما بني عليه.
و الافتراض الذي لا يوثق لا يمكن اختباره. فلا أحد يستطيع تحديد ما إذا كان لا يزال صحيحاً، لأن لا أحد يستطيع تحديد ما كان عليه في الأصل. فيبقى قائماً بحكم العادة لا بحكم الواقع، و يستتر في الخلفية دون أن يلاحظ. فتتراكم فوقه قرارات و التزامات و استثمارات على مدى سنوات. و كلما طال بقاؤه دون مراجعة، ارتفعت تكلفة تصحيحه، لأن التصحيح لم يعد يمس افتراضاً واحداً، بل سيطول كل ما ترتب عليه.
و في غياب افتراض محدد و معلن، يعمل كل قسم بتقديره الخاص عن الواقع الخارجي. فالمشتريات تسعّر وفق تصور، و المبيعات تتم وفق تصور آخر، و المالية تبني توقعاتها على ثالث، و هكذا. كل تصور منها منطقي في القسم الخاص به، إلا أنها مجتمعة لا تصف واقعاً واحداً. فتعمل الشركة بأكثر من توجه استراتيجي في وقت واحد دون أن تدرك ذلك.
و لا يظهر هذا التباين بوصفه خللاً استراتيجياً، بل يظهر في صورة شد و جذب بين الأقسام تجاه التسعير و المبيعات و المخزون و التدفق النقدي و غيرها. فيُعالج بوصفه مشكلة تنسيق، بينما مصدره الرئيسي هو افتراضات غير محددة.
و لذلك فإن وصول معلومة جديدة إلى الشركة لا يعني بالضرورة الاستجابة لها. فقد تتوفر المعلومة، و تُقرأ، و تُناقش، ثم لا تُحدث أثراً في التوجه الاستراتيجي العام. لأن ما ينبغي أن تقيّمه هذه المعلومة لم يُحدد أصلاً، حيث لا يوجد افتراض معلن تكشف هذه المعلومة أنه لم يعد صحيحاً. فتراكم الشركة معلومات عن سوقها دون أن تحولها إلى قرار، و تعتقد أن هذا الرصد استشرافٌ استراتيجي، بينما يبدأ الاستشراف حين تُقارن المعلومة بما كانت الشركة تفترضه.
ما يميز الشركات التي تتكيف مبكراً ليس قدرتها على جمع المعلومات أو جودة معلوماتها. بل قدرتها على التعامل مع افتراضاتها بوصفها افتراضات محددة و موثقة، و موكلة لمن يراجعها لكي تتمكن من تقييمها و إعادة النظر فيها وفق دورة زمنية ثابتة، لا حين يتضح خطؤها.
و حين تكون الافتراضات محددة، يصبح لكل تغير خارجي ركيزة تقارن به، فتعرف الشركة أي أجزاء استراتيجيتها ستتأثر، و أيها يمكن أن يبقى قائماً.
خدمات استشارية ذات صلة: الاستشراف الاستراتيجي · التشخيص التكاملي