ما يعرفه الجميع و لا تعرفه القيادة

ما يعرفه الجميع و لا تعرفه القيادة

يتم التعامل مع الاستراتيجية في الغالب بوصفها أمراً ينتقل من أعلى المنظمة إلى أسفلها: تُقرر في القمة، ثم تُبلّغ، ثم تُنفذ. فيتحول التواصل الاستراتيجي وفق هذا المفهوم لمجرد إصدار تعاميم، فيقاس نجاح التواصل الاستراتيجي بمدى ما وصل منها إلى المستويات التشغيلية الدنيا لتنفيذها.

و الشركة قد تتقن صياغة و توزيع التعليمات بشكل جيد، فتصل إلى كل مستوى بوضوح. و رغم ذلك قد تواصل الشركة السير في اتجاه استراتيجي غير ملائم، لأن التعليمات قد لا تحفز بالضرورة تصحيح الاتجاه.

غير أن المعلومات الضرورية التي ينبغي أن تشكل التوجه الاستراتيجي تتركز في المستويات الدنيا للمنظمة. فالسوق يصل إلى الشركة من أطرافها أولاً: عبر مكالمة مع عميل، و في عرض سعر من مورد، و من اعتراض يقدم عند نقاط البيع.

و عادة تصل هذه المعلومة إلى القيادة متأخرة، بعد أن تتحول إلى رقم يدمج في متوسطات حسابية و رسوم بيانية و مؤشرات أداء ضمن تقرير دوري. فتفقد المعلومة جوهرها و يبقى تأثيرها.

و في هذا الوضع لا تملك الشركة إلا أن تعالج ما حدث و تتعامل معه كرد فعل، و لا يمكنها أن تتعامل مع ذلك بحلول استباقية. و انقطاع التواصل الصاعد نادراً ما يكون بقرار متعمد. فالموظف في طرف الشركة لا يستطيع تمييز ما يستحق الرفع ما لم يعرف ما تسعى إليه الشركة فعلاً. و رفع ملاحظة غير مريحة يُنظر له في كثير من بيئات العمل كشكوى لا كمبادرة يدفعها الإحساس بالمسؤولية و الانتماء.

بل إن خطوط التواصل الصاعد نفسها مصممة عادة لنقل بيانات الأداء الكمية لا لنقل المبادرات النوعية. فتصعد الأرقام المجملة، و تبقى الملاحظات حيث شوهدت، و تتخذ القيادة قراراتها بصورة تبدو شاملة في ظاهرها، إلا أنها تفتقد العمق الحقيقي.

و من جانب آخر، فالاستراتيجية التي تصاغ دون إسهام من المستويات التي ستنفذها تصل إليهم بوصفها تعليمات واجبة التنفيذ بغض النظر عن جدواها أو ملاءمتها لواقعهم. فينفذونها كما وردت، دون أن يكونوا مقتنعين بها بالضرورة أو يجتهدوا لإنجاحها.

و حين يواجه المنفّذ ظرفاً لم تتوقعه الاستراتيجية، يقف عند حدود التعليمات الواردة إليه، لأنه ينفذ نصاً لا يعرف الغاية منه. فتفقد الاستراتيجية قدرتها على التكيف في الموضع الأكثر أهمية، أي عند نقطة التنفيذ، حيث يظهر ما لم يكن في الحسبان.

و لذلك فإن اتجاه التواصل الاستراتيجي أهم من كثافته. فالتواصل الصاعد يحدد ما ستعرفه القيادة لتقرر بناءً عليه، و ما إذا كانت الاستراتيجية ستلائم جميع قطاعات المنظمة و عملياتها. بينما التواصل النازل يُعرّف الجميع بالاتجاه الاستراتيجي للمنظمة، و يدفع الجميع للعمل نحو نفس الاتجاه.

و الشركة التي يكون فيها التواصل فعالاً في الاتجاهين معاً تصوغ استراتيجية تلائم واقع التنفيذ، و ما إذا كانت الفرق ستنفذ التعليمات، أم ستحقق الغاية منها.