خط الدفاع الأول
- أكتوبر 19, 2026
- Posted by: Clarion
- Category: مقالات
كيف حوّل التباطؤ الاقتصادي في 2026 الكفاءة التشغيلية من خيار إلى ضرورة استراتيجية
في فترات النمو، يغطي الطلب المتزايد أوجه القصور داخل الشركات. فالإيرادات ترتفع، و الهوامش تبقى مستقرة، و لا يظهر أثر الهدر في الإجراءات، أو العمل الذي يتكرر بين الأقسام، أو رأس المال المحتجز في المخزون. غير أن هذا الغطاء ينحسر حين يتباطأ النمو.
و في هذا العام، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للاقتصاد السعودي ثلاث مرات متتالية، من نمو بنسبة 4.5% في يناير إلى 3.1% في أبريل، ثم إلى 1.7% في يوليو، قبل أن يتحول في أكتوبر من توقع النمو إلى توقع انكماش اقتصادي يبلغ -3.3%. و عزا الصندوق ذلك إلى أثر التوترات الإقليمية على إنتاج الطاقة و الصادرات و حركة النقل.
و تباطؤ النشاط الاقتصادي ينعكس بطبيعته على الطلب، إذ تتريث الشركات في توسعاتها و مشترياتها، و يعيد المستهلكون ترتيب أولويات إنفاقهم. في المقابل، تتجه التكاليف في الاتجاه المعاكس. فوفق الهيئة العامة للإحصاء، ارتفعت أسعار الجملة في أغسطس الماضي بنسبة 4.6% على أساس سنوي، بينما لم يتجاوز التضخم في أسعار المستهلك 1.8%. أي أن تكلفة ما تشتريه الشركات ترتفع بوتيرة تفوق قدرتها على رفع أسعار ما تبيعه، فتجد الشركات هوامش ربحيتها محاصرة بين الطلب المتباطئ و التكلفة المتزايدة.
و أمام هذا الضغط، تلجأ معظم الشركات إلى أحد خيارين: الانتظار حتى يعود الطلب للارتفاع، أو تقليص حجم أعمالها للتكيف مع الظروف الراهنة. و لكن الانتظار يستنزف احتياطيات الشركة إن طال أمد التباطؤ، أما التقليص فيطال الأنشطة التي تحقق الربح و تلك التي لا تحققه على حد سواء، فتفقد الشركة قدرات و مزايا أساسية ستحتاجها حين تعود للنمو من جديد.
و بين هذين الخيارين يبرز خيار ثالث، و هو تعزيز الأداء بمعالجة ما كان النمو يخفيه من هدر في ثلاثة مواضع. فعلى مستوى العمليات و الإجراءات، يؤدي عمل الأقسام بمعزل عن بعضها، رغم الاعتمادية بينها، إلى تكرار المهام ذاتها في أقسام متعددة. كما تعوق آليات الموافقات المعقدة اتخاذ أبسط القرارات التي تحتاجها الفرق التشغيلية لرفع أدائها. و حين تضيع المعلومة بين قسم و آخر، يُعاد العمل لتصحيحها، فتتضاعف تكلفة المهمة الواحدة على الشركة ككل.
أما على مستوى الصحة المالية، فرأس المال المحتجز في مخزون بطيء الحركة لا يمكن إعادة تدويره لتحقيق المزيد من العوائد. و الذمم المدينة المتأخرة تجعل الشركة تمول عملاءها من سيولتها و هي في حاجة لها. كما أن شروط التعاقد التي اعتمدت في ظروف اقتصادية مختلفة تلزم الشركة بأسعار و التزامات لم تعد تناسب واقعها.
و على مستوى التقنية و البيانات، يستهلك إعداد التقارير يدوياً وقت الكفاءات في التجميع بدلاً من التحليل و التطوير. و غياب التكامل بين الأنظمة المختلفة يعني إدخال البيانات ذاتها أكثر من مرة، و تضارب الأرقام بين قسم و آخر. فتُهدر موارد إضافية، و تتخذ الشركة قراراتها بناءً على بيانات قديمة و غير دقيقة، لا تعكس واقعها الحالي.
و معالجة هذا الهدر لا تقلص قدرة الشركة على الإنتاج و التشغيل، بل تقلص ما يُهدر من وقت و جهد و نفقات، لتبلغ الشركة كفاءة تشغيلية أعلى تواجه بها ضغوط هذه المرحلة.
حين يتباطأ النمو، يتحول تعزيز الأداء من إجراء تشغيلي معتاد إلى استراتيجية مُلحّة لمواجهة الواقع الجديد، إذ تحمي الكفاءة التشغيلية الشركة خلال فترات التباطؤ، و تهيئها للنمو حين تتحسن الأوضاع، و هو ما يتوقعه صندوق النقد الدولي خلال السنوات المقبلة.
خدمات استشارية ذات صلة: تعزيز الأداء · التشخيص التكاملي