حين يكون الجميع مشغولاً
- أكتوبر 26, 2026
- Posted by: Clarion
- Category: مقالات
لماذا لا يمثّل انشغال الشركة دليلاً كافياً على كفاءة عملياتها، و متى يتحول إلى مؤشر على هدر مواردها
يتم قياس الكفاءة التشغيلية في الغالب بمدى انشغال الفِرق و استغلال الموارد المتاحة. فكلما كانت جداول العمل ممتلئة و المهام متواصلة، بدت الشركة أكثر كفاءة، و هو ما تعكسه التقارير الدورية.
غير أن انشغال الفرق لا يعني بالضرورة سرعة و كفاءة إنجاز العمل. فأمر الإنتاج الذي لا يتطلب سوى ساعات من العمل الفعلي، قد يستغرق أسابيع حتى يكتمل، لأنه ينتظر توفر المواد، و اعتماد الإدارة، ثم دوره لدى فريق الإنتاج المشغول بأوامر أخرى.
و هنا يظهر الفارق بين مدة العمل الفعلي على المهمة، و المدة الكلية لإنجازها. و كلما اقتربت الفِرق من طاقتها الاستيعابية القصوى، اتسع الفارق بين المدتين، إذ لا يمكن لفريق يعمل بكامل طاقته أن يستوعب مهمة جديدة دون أن يؤخر مهام أخرى.
الانتظار لا يؤخر إنجاز العمل فحسب، بل يولّد بدوره أعمالاً إضافية. فطلب الدعم التقني الذي ينتقل بين أكثر من فريق، يُعاد شرحه في كل مرة، و تُدخل بياناته في أكثر من نظام، و تتكرر المتابعة للاستفسار عن حالته. و حين يطول تأخره، قد تتغير المعطيات التي بُني عليها، فتعاد دورة العمل من جديد.
و يتضاعف ذلك حين تعمل الأقسام بمعزل عن بعضها، فتُنجز المهمة ذاتها في أكثر من قسم دون علم الآخر.
و هذه الأعمال الإضافية تنضم بدورها إلى قوائم الانتظار، فيزداد التأخير، و تتراكم معه الأعمال الإضافية، و يتزايد هدر طاقات الشركة و مواردها.
تكلفة هذا الهدر مدفوعة مسبقاً، فكل ساعة تُقضى في المتابعة و إعادة إدخال البيانات و تصحيح العمل، هي ساعة مدفوعة الأجر. إلا أنها لا تظهر في التقارير بوصفها هدراً، لأنها تندرج ضمن الرواتب و المصروفات التشغيلية التي تتعامل معها الشركة كتكاليف ثابتة.
فالتقارير المالية تظهر حجم ما أنفقته الشركة، و لا تظهر ما حققه هذا الإنفاق فعلياً. و لذلك يبقى الهدر غير مرئي، رغم أن الشركة تتحمل تكلفته كاملة في كل شهر، ضمن بنود معتادة لا تثير أي تساؤل.
إلا أن التكلفة الأكبر تتمثل فيما يفوت الشركة من فرص بسبب عدم توفر الطاقة الكافية للسعي ورائها. فالعرض الذي يصل إلى العميل بعد أسبوعين، قد يصل بعد أن يكون المنافس قد قدّم عرضه و فاز بالصفقة، و هي خسارة لا تظهر في أي تقرير، لأنها إيرادات لم تتحقق أصلاً.
و يكشف هذه التكلفة سؤال بسيط: إذا تواصل عميل جديد كبير مع الشركة غداً، فهل سيكون لدى فريقها الطاقة الكافية لخدمته على أكمل وجه، دون تأخير أعمال أخرى؟
فإن كانت الإجابة بالنفي، فالأرجح أن جزءاً من هذه الطاقة يذهب اليوم إلى المتابعة و الانتظار و إعادة العمل، و هو الجزء الذي يمكن للشركة استعادته لاقتناص فرصها.
للهدر التشغيلي علامات يمكن ملاحظتها دون الحاجة إلى تحليل البيانات، منها: طلبات لا تُنجز إلا بالمتابعة المستمرة، و تصعيد متكرر لأمور توصف دائماً بالعاجلة، و فرق مشغولة جداً و باستمرار بينما تتأخر في التسليم، و لا تجد الوقت لمعالجة الخلل الذي تلاحظه.
و حين تظهر هذه العلامات، فإن تحميل الفِرق مزيداً من المهام يزيد من حدة الهدر، بينما تبدأ المعالجة من تقليص الانتظار و ما يولّده من أعمال إضافية.
و لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الإدارة هو كم من الوقت الذي تستغرقه الشركة لإتمام المهام يمثل وقت العمل الفعلي عليها، و كم منه هو وقت انتظار مهدور؟
خدمات استشارية ذات صلة: تعزيز الأداء · التشخيص التكاملي